محمد بن زكريا الرازي
70
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
مفتوحا في كل وقت لأن في جوفه شيئا يشبه الدودة ينسد به حتى تدنى الطبيعة الروح النفساني من الوعاء الأوسط إلى المؤخر . فيدفع ذلك الشبيه بالدود وينفذ تلك الروح ثم يرجع ذلك الغطاء إلى موضعه وإذا جرى من الدماغ هذا الروح النفساني إلى الناظر كان به البصر . وبالروح الذي في الوعاء المؤخر يكون الحركة والذكر وبالروح التي في الوعاء المقدم يكون التخيل والحس وبالروح الذي في الأوسط يكون التفكر . وإنما يسخن الدماغ بما يرتفع إليه من حرارة القلب الغريزية التي تصعد إليه من العرقين اللذين ذكرنا آنفا أنهما يصعدان إليه من القلب . فحركة الدماغ تسكن أحيانا وحركة القلب نارية لا تسكن بحاله وإذا انحدر عصب الدماغ إلى الدماغ تشتبك عليه كشبك عروق الشجرة وكل عصب مصمت إلا العصبة التي يجري فيها الروح النوري إلى العين فإنها مجوفة . ولو كان العصب مجوفا رخوا لاسترخت الأعضاء التي هي مرطوبة وإنما جعل الدماغ باردا لكثرة حركته ولو كان على لينه حارا وهو متحرك هذه الحركات كان يلتهب ويفسد أفعاله ولما كان الفكر أيضا يثبت فيه لأن للحرارة سرعة النقلة وللبرد الثبات واليابس ( ؟ ) الذي يحتاج الفكر إليه وإنما جعل الدماغ رطبا لئلا يجففه كثرة الحركة ولينبت منه عصب لينة ويستحيل سريعا في التخيل ويقبل ما يؤديه الحواس بسرعة وينطبع تلك فتعلمه النفس كما تعلم معاني كثرة برسوم الخط الموضوعة في القرطاس . وسندلّ على جميع ما ذكرناه . 6 - [ فأما القوى الحيوانية ] فإنها صنفان فاعلة ومنفعلة فالفاعلة هي التي يكون بها انبساط القلب والعروق الضوارب وانقباضها والمنفعلة هي التي يكون بها العصب الخارج عن الاعتدال . والأنفة والمنازعة للغلبة لا عن إطلاق الإرادة النفسانية وقد يدلّ الغضب والزهو والحدة على حر القلب ويبسه ويدلّ على برده ورطوبته وقلة أنفة صاحبه وقلة غضبه